عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

60

معارج التفكر ودقائق التدبر

وتتّبعون ما ينهونكم عنه أولئك ، فتجتنبونه ، وتعملون بشرائعهم ومناهجهم وخططهم ووصاياهم ، الّتي وضعوها لإغرائكم وإغوائكم وسوقكم إلى عذاب جهنّم . فحقّ ربّكم عليكم أن توحّدوه في ولاية أموركم في مسيرتكم في الحياة الدّنيا حياة الابتلاء . وكلّ من الأمر والنّهي الواردين في الآية من قبيل التكليف الإلزامي من اللّه عزّ وجلّ للناس ، والمستتبع بالمثوبة على الطاعة ، والعقوبة على المعصية . ومن الملاحظ أنّه اختير من أسماء اللّه عزّ وجلّ في هذه الآية اسم « الرّبّ » للدّلالة على أنّ اللّه تبارك وتعالى هو الذي له على الناس حقّ أن يتّخذوه وليّا يتولّى جميع أمورهم في مسيرتهم في حياتهم ، فيتّبعوا ما أنزل لهم ، ويأتمروا بأوامره ، وينتهوا عمّا نهاهم عنه ، ويهتدوا بهديه ، ويعلموا بوصاياه ، ولا يتّخذوا من دونه وليّا ، إذ لا ربوبيّة في الوجود كلّه إلّا للّه وحده لا شريك له . فالرّبّ : هو الخالق ابتداء ، وهو الممدّ بالبقاء والنّماء وشروط الحياة ، والمحافظة عليها دواما ، حتّى نهاية الأجل المقضيّ من قبله لكلّ موجود سواه . والرّبّ : هو المربّي الّذي يتعهّد ما يربّيه ومن يربّيه بما يحتاج إليه دواما ، إذ التربية هي الإنشاء المتدرّج مع توالي الزّمن ، حتّى إبلاغ الشيء درجة كماله ، ويتبع ذلك التّعهّد بالتناقص شيئا فشيئا حتى نهاية الأجل المقدّر المقضي للمخلوق وفق نظام التربية . وهذه التربية في تصاعدها وفي تنازلها للأحياء وسائر الكائنات هي من أفعال اللّه عزّ وجلّ في الوجود ، لا يشاركه فيها أحد .